السيد محمد تقي المدرسي
35
الإمام علي (ع) قدوة وأسوة
وبالذات مع الإمبراطورية الرومانية العظيمة ، وكان من الحكمة أن يرتب الرسول أمور بلاد العرب بصورة تامة حتى إذا لم تقدّر له العودة ، تكون البلاد الإسلامية بأيدٍ أمينة ، تأمن شر الاعتداءات الخارجية والمؤامرات الداخلية التي كانت قد أضحت في تلك الفترة متنامية بسبب دخول مجاميع من الناس في الإسلام ليحفظوا دماءهم ويحصلوا على مغانم ومكاسب . وهكذا استخلف النبي عليًّا مكانه ، إلَّا أن المنافقين الذين كانوا ينتظرون فرصة كهذه ، ليقفزوا إلى السلطة أو ليعيثوا فسادًا في أرض الجزيرة ، راحوا يبثون شائعات بأن النبيَّ صلى الله عليه وآله إنما استخلف عليًّا لأنه لم يحب أن يكون معه ، فحمل الإمام سيفه وسلاحه ولحق بالرسول في منطقة ( الجرف ) فأخبره بمقالة المنافقين ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله : « ارْجِعْ يَا أَخِي إِلَى مَكَانِكَ ، فَإِنَّ المَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِي أَوْ بِكَ ، فَأَنْتَ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِ بَيْتِي وَدَارِ هِجْرَتِي وَقَوْمِي ، أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي » « 1 » . ولعل وراء استخلاف النبي صلى الله عليه وآله للإمام عليه السلام وتسليمه شؤون البلاد الإسلامية أثناء غيابه عنها ، حكمة بالغة ، إذ إن عليًّا وصيُّه الذي اختاره الله له وأعلن ذلك للناس منذ ( يوم الدار ) حين أنذر عشيرته الأقربين ، فلابد إذن من تمهيد الظروف لذلك . ويوحي بهذه الحكمة ما نجده في مسند أحمد من قوله صلى الله عليه وآله بعدئذ - حسب هذا المصدر - : « لَا يَنْبَغِي أَنْ أَذْهَبَ إِلَّا وَأَنْتَ خَلِيفَتِي » « 2 » . ويا ليت شعري ، كيف لا يترك الرسول المدينة إلَّا وعلي خليفته ، ثم يترك الدنيا دون أن يستخلف عليًّا عليه السلام ؟ .
--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 21 ، ص 208 . ( 2 ) مسند الإمام أحمد بن حنبل ، ج 1 ، ص 331 .